الشهيد الشيخ القائد جمال منصور

18 تشرين أول / ديسمبر 2012


 

حينما يكون الحديث عن العظماء تبدو الكتابة مغامرة، إذ كيف يكتب اللاعظماء عن العظماء.. هكذا هو الحديث عن المفكر القائد جمال منصور.

 

فليس غريبًا على الكيان الصهيوني أن يغتال قائدًا فلسطينيًّا مثل الشيخ الشهيد جمال منصور، الذي تنوع في قيادته السياسية والعسكرية وحتى الإدارية والاجتماعية معًا، فوفّق بينها واستطاع في هذه القيادة أن يجعل لحركة المقاومة الإسلامية حماس صيتًا بالفعل والقول في نابلس.

 

وليست هذه المقدمة لتلخص الشيء الكبير عن الشهيد المرحوم جمال منصور، وإنما لتقودنا إلى حقيقة هذا الرجل وما فعله تجاه شعبه وقضيته.

 

جمال منصور .. نشأته وتعليمه

ولد الشهيد جمال عبد الرحمن محمد منصور في 25/2/1960م، في مخيم بلاطة للاجئين، ويعود أصل الشهيد إلى قرية سلمه قضاء يافا التي وقعت تحت الاحتلال الصهيوني عام 1948م وأدى إلى تهجير أهلها.

 

وتتسم حياة الشهيد جمال منصور بالنشاط، كما أنها كانت كلها لله ثم لحب الخير والدعوة في سبيل الله ليل نهار.

 

وقد أنهى جمال منصور دراسته الأساسية في مدراس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين في مخيم بلاطة مسقط رأسه، وكان متفوقًا في مدرسته، أحبه المعلمون وشهد له زملاؤه. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية والإعدادية في مدارس الوكالة انتقل إلى مدرسة قدري طوقان في نابلس، ليكمل فيها تعليمه الثانوي.

 

وقد كان الشهيد جمال منصور منذ صغره تبدو عليه صفة القيادة، حيث كان يحرص على أن يكون في مواقع الإشراف والقيادة، وكان دائمًا يقول عن طفولته: هناك فريقان من الأطفال؛ فريق يقول: أنا مع مَن، وفريق يقول: مَن معي، وقد كنت دائمًا مع الفريق الثاني.

 

ومنذ الصغر أيضًا اهتم الشهيد جمال منصور بالقراءة، وشراء الكتب رغم ضيق ذات اليد وقلة الموارد المالية إلا أنه كان يحرص على التوفير من مصروفه اليسير فيشتري به بعض الكتب، وتكونت لديه مع الزمن مكتبة ضخمة، وقال الشهيد عن نفسِهِ: إنه قرأ كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي، وهو في الصف الثالث الإعدادي.

 

وكان للشهيد جمال منصور نظرة خاصة وثاقبة في نوعية الكتب وطبيعتها، فها هو يضيف إلى عبارة ابن المقفع ما يكملها ويتمم معناها، فابن المقفع يقول: "اقرءوا أفضل ما تجدون، واكتبوا أفضل ما تقرءون، واحفظوا أفضل ما تكتبون"، فأكمل جمال منصور العبارة بالجملة التالية: "وكان على ابن المقفع أن يقول: واعملوا بأفضل ما تحفظون، تكونوا أفضل الناس".

 

التحق جمال منصور بجامعة النجاح الوطنية ودرس فيها المحاسبة والعلوم الإدارية، وفي عام 1983م تخرج في جامعة النجاح - كلية التجارة، وأراد السفر إلى الخارج لإكمال تعليمه في الدراسات العليا، ولكنة تلقى الضربة الأولى من سلطات الاحتلال بمنعة من السفر (لأسباب أمنية)، كيف لا وهو مؤسس الكتلة الإسلامية، وهو الذي قال عنه الحاكم العسكري عندما اعتُقل في بداية الثمانينيات وتَدخَّل مدير الجامعة للإفراج عنه قائلاً للحاكم العسكري: إنه تم اعتقال أحد طلبة الجامعة، ونريد منكم الإفراج عنه. فقال له الحاكم العسكري: هذا ليس طالبًا، هذا "خليفة"!! لماذا؟ لأنهم وجدوا في حقيبته كل شيء عن الأمة الإسلامية عن مآسيها وأحوالها، عن ظروفها، عن نكباتها، عن الجرائم التي تُرتكب بحقها، عن همومها، عن مزاياها، عن سكانها، عن كل شيء.

 

وبعد منعه من السفر، بدأ بالبحث عن عمل، فوجد عملاً في أحد المحلات في الحسبة، ليعمل محاسبًا، وبعد برهة من الزمن انتقل للعمل محاسبًا في فندق بالأراضي المحتلة عام 1948م.

 

فكانت فرصة لإتقان لغة العدو والتعرف عليهم عن قرب، لكنه بعد ستة أشهر تقريبًا يعود إلى نابلس ليعمل محاسبًا عند الحاج صبحي العنبتاوي (رحمة الله عليه)، وقد قال عنه أحد أبناء الحاج صبحي: كنا نلمس في جمال منصور حسن الإدارة، وصدق الأمانة، ودقة الإتقان.

 

جمال منصور .. زواجه وأسرته

لم يكن جمال منصور بالإنسان العادي حسب ما ذكرت زوجته التي عاشت معه قرابة 15 عامًا معه، حيث كان مثال الزوج المثالي والأب الحنون لعائلته وزوجته التي عانت لفترات طويلة؛ بسبب غيابه عنها في المعتقلات.

 

تزوج الشهيد جمال منصور في العام 1996م، وكان عرسه من أوائل الأعراس الإسلامية على مستوى الوطن.

 

وكانت شخصية جمال منصور رغم الانشغال الكبير في حركة حماس ونشئها وتطورها - شخصية إنسانية ومحبوبة، وكان زوجًا حنونًا لا يكثر الطلبات على زوجته، وكان يساعدها في أعمال البيت وتربية الأولاد، ولديه شخصية مرحة تحب المزاح والضحك، وكان هذا يُلقي بظلاله على بيته الذي كان مثالاً لبيت كله إيمان ودين وحب للوطن وللقدس وحب للتضحيات في سبيل الله ثم في سبيل الوطن.

 

وقد رُزق الشهيد جمال منصور خمسة أولاد، وكان أبًا حنونًا يحب الأطفال وملاعبتهم وصبره عليهم، وكان يزرع فيهم حب الله والإسلام وفلسطين والمقدسات.

 

جمال منصور والتحاقه بحركة حماس

يعتبر جمال منصور هو أحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية حماس، حيث التحق في بداية حياته السياسية والدعوية بجماعة الإخوان المسلمين، وهو طالب في مرحلة الثانوية العامة في مدرسة قدري طوقان، وكذلك أسس الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية التي كان طالبًا فيها، ولُقِّب بأنه أمير المؤمنين لأنه أمير الكتلة الإسلامية، ومثلها للكتلة ثلاث مرات في انتخابات مجلس الطلبة خلال فترة دراسته.

 

أسس الشيخ الشهيد جمال منصور مع مجموعة من القيادات الطلابية إطارًا نقابيًّا على مستوى الوطن باسم الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين ومقره القدس.

 

وفي تلك المرحلة تم إصدار مجلة (المنطلق) ليكون أول منبر إسلامي ينطق باسم الطلبة في ظل محاولات الطمس والإخفاء للصوت الإسلامي الصاعد من قبل الاحتلال وإدارة الجامعة، وأصحاب التيارات الفكرية المناوئة. فكان دخول هذا الشاب مكسبًا عظيمًا، وانطلاقة جديدة مهدت لتاريخ جديد للحركة الإسلامية، وأصبح جمال منصور في بدايات الثمانينيات واحدًا ممن يقوم عليهم العمل الإسلامي في مدينة نابلس.

 

وفي هذه الفترة، بدأ الشهيد جمال منصور يتعرف على سيد قطب وحسن البنا، وأكثر من القراءة لسيد قطب وتعلّق به، وكان يقول: "من لم يقرأ لسيد قطب فقد فاته معظم الخير...". وقرأ للعلامة يوسف القرضاوي، وكان معجبًا بشخصية الشهيد عبد الله عزام.

 

لم يكن جمال منصور بالإنسان العادي ولم تثنيه كثرة الاعتقالات والمطاردات عن الدعوة إلى الله، وكان جمال منصور يتسم بأنه رجل حنون يتطلع لإغاثة الأيتام وأهالي الشهداء والجرحى والمعتقلين، وكان جمال منصور صاحب رؤية سياسية عميقة وتحليل سياسي وبُعد في التفكير والعمق في تحليل الأحداث والمجريات على الساحة الفلسطينية.

 

شخصية الشهيد جمال منصور

أسس الشهيد جمال منصور علاقات اجتماعية واسعة ساعدت في نشر ثقافة وتوجُّه وأيدلوجية الحركة التي قام بتأسيسها، وكان في أحنك الظروف والإبعاد والمطاردة والاعتقال يضحك والابتسامة لا تفارق وجهه، وكان عالي الهمة وله مقولة مشهورة جدًّا: "قد نتعب قليلاً، ولكن التعب لا يعلق بالثياب كما يعلق في النفوس، وإن النفوس التي لديها الهمة تستطيع تجاوز التعب".

 

وتتسم شخصية جمال منصور بأنه كان يحب القدس والمقدسات، ويعمل من أجل القضية الفلسطينية، ويدعو لنفسه بشهادة تنال من جميع جسده في سبيل القدس والمقدسات.

 

وتتسم شخصية جمال منصور أيضًا بالبعد الديني والروحاني، وكان كثير الصلاة والصوم، وتداول الأذكار في الصباح والمساء، وهذا ساعده على أن يكون داعيًا في سبيل الله وفي سبيل عقيدته، وكان يعطي محاضرات ومواعظ دينية، حتى من يسمع له كان يعتقد أن جمال منصور هو عالم في أمور الشريعة الإسلامية، حتى عندما تتجول في بيته ترى تحفة حقيقية، وهي المكتبة الخاصة به حيث تحوي آلاف الكتب القيمة والشاملة.

 

مؤلفات الشيخ الشهيد جمال منصور

استطاع جمال منصور ومن خلال سجنه أن يطور نفسه ويكتشف طاقاته ومواهبه، حيث أبدع جمال منصور من خلال سجنه بأن يكون رسامًا، ويعتبر جمال منصور هو أول من رسم شعار حركة المقاومة الإسلامية حماس.

 

وقد ألّف جمال منصور العديد من المؤلفات، منها: كتاب التحول الديمقراطي الفلسطيني من وجهة نظر إسلامية، وكذلك كتاب أجنحة المكر الثلاث، وله العديد من المنشورات والدراسات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، وكان دائمًا يشارك في الندوات والمحاضرات والمؤتمرات على مستوى الوطن.

 

جمال منصور والقضية الفلسطينية

تعتبر كل مرحلة من مراحل حياة جمال منصور قدّم فيها الكثير لخدمة القضية الفلسطينية، فعندما بدأت الانتفاضة الأولى عام 1987م كان لجمال منصور دور بارز وكبير في إبراز القضية الفلسطينية، وفضح ممارسات الاحتلال الصهيوني التي تحدق بالشعب الفلسطيني؛ نتيجة الاحتلال الغاشم على صدور أبناء شعبنا الفلسطيني.

 

وكان جمال منصور من أشد المعارضين لاتفاقية أوسلو، واعتبرها اتفاقية أمنية بالدرجة الأولى، وأنها تهدف إلى حماية أمن الكيان الصهيوني، وإعادة الانتشار وليس الانسحاب من غزة والضفة كما كان يُقال.

 

وهناك محطة في حياة جمال منصور الكل يشهد لها، وهي عندما قام بتمثيل حركة المقاومة الإسلامية حماس في وفد الحوار الوطني مع السلطة الفلسطينية وكان ناطقًا إعلاميًّا للوفد.

 

وقد اعتقل جمال منصور 1997م وحتى العام 2000م في سجون السلطة الفلسطينية، وكان له موقف رائد في الحفاظ على الوحدة الوطنية وعدم اللجوء إلى الاقتتال الداخلي، واعتبر جمال منصور أن صمام الأمان لوحدة الشعب الفلسطيني بشهادة كافة القوى والفصائل الفلسطينية.

 

اعتقالات جمال منصور

اعتقل الشهيد جمال منصور خلال فترة دراسته وأثناء الانتفاضة الأولى أربع عشرة مرة، معظمها كان اعتقال إداري، حيث اعتقل عام 1995م وخضع للتحقيق مدة 3 أشهر ونصف متواصلة في سجن عسقلان.

 

وتعد المرحلة التي مر بها جمال منصور وكان لها الأثر البالغ على عائلته، هي إبعاده إلى مرج الزهور جنوبي لبنان، حيث أُبعد مع عدد كبير من أبناء الحركة الإسلامية الذين كانوا معتقلين في سجون الاحتلال آنذاك 1992-1993م، وخلال فترة الإبعاد أصبح جمال منصور عضوًا في اللجنة القيادية للمبعدين، وترأس اللجنة الإعلامية ولجنة العلاقات العامة خلالها.

 

اعتقل لدى السلطة الفلسطينية خلال حملة قامت بها السلطة في العام 1996م، حيث أمضى في السجن مدة ثلاثة أشهر، ومن ثَمّ أطلق سراحه.

 

وفي العام 1997م أعيد اعتقال الشهيد منصور هو وعدد كبير من أبناء حركة المقاومة الإسلامية حماس، وأمضى في سجون السلطة ثلاثة أعوام، ليطلق سراحه في العام 2000م؛ بسبب انطلاقة انتفاضة الأقصى.

 

المؤسسات والجمعيات التي أسسها جمال منصور

وقد أسس جمال منصور فرع نابلس للجنة الإغاثة الإسلامية لإغاثة الأيتام والفقراء والمحتاجين، وكان مسئولاً عنها، وكذلك أسس الشهيد جمال منصور مكتب نابلس للصحافة والإعلام، ولكن الاحتلال قام بإغلاقه واعتقال جمال منصور.

 

وقام جمال منصور أيضًا بتأسيس مكتب للأبحاث أغلقته السلطة الفلسطينية بعد اعتقاله في العام 1997م، وكان آخر المؤسسات التي قام بتأسيها الشهيد جمال منصور المركز الفلسطيني للدراسات والإعلام.

 

استشهاد جمال منصور

في الأسبوع الذي سبق عملية اغتيال الشهيد جمال منصور، تقول زوجته: إن زوجها كان يحدِّثها طوال الأسبوع عن الشهادة، وعن كيفية تصرفها بعد استشهاده؛ لأن استهدافه كان مسألة وقت بالنسبة له، حيث طلب الشهيد القائد من زوجته عدم البكاء عليه (كما تفعل بعض النساء).

 

وذكرت أم بكر أنّ زوجها قام باصطحاب أبنائه قبل اغتياله بأيام قليلة في بداية العطلة الصيفية لشراء اللوازم المدرسية، فتعجب صاحب المكتبة لأمر أبو بكر، وقال له: "ليش مستعجل". فقال أبو بكر بأنه لا يضمن أن يبقى حيًّا".

 

وتحكي زوجته أم بكر عن حوار تمّ بينها وبين زوجها صباح يوم الاستشهاد:

يقول جمال منصور لزوجته: أتدرين من اتصل بي الليلة؟

قالت: لا... مَن؟

فقال لها: إنه الشهيد صلاح الدين دروزة، لقد زارني في المنام متصلاً هاتفيًّا وقال: "إنني مشتاق إليك..".

 

وكانت هذه المحادثة آخر الكلمات التي تحدث بها المجاهد جمال منصور، الناطق بلسان حركة حماس قبل خروجه من منزله مودعًا زوجته وأولاده الخمسة.

 

وفي يوم 31/7/2001م قامت طائرات الاحتلال الصهيوني بقصف المركز الفلسطيني للدراسات والإعلام؛ مما أدى إلى استشهاد جمال منصور على الفور، هو وعدد من رفاقه وموظفيه في المركز.

 

وبهذا خسرت فلسطين قائدًا سياسيًّا وعبقريًّا وداعية، رجل له الكثير في مجال العمل الخيري والاجتماعي.

 

تقول زوجته أم بكر: "كان تاريخ 31/7/2001م هو الأقسى على الشعب الفلسطيني بشكل خاص، والأمة العربية والإسلامية بشكل عام".


انشر عبر

متعلقات