رسائل من كابل إلى القدس

21 كانون أول / أغسطس 2021

..
..

في العام 2002 عنونت مجلة تايم الأمريكية على صفحة غلافها (الأيام الأخيرة لطالبان)، والأحد الماضي، أي بعد نحو عشرين عاما على سقوط العاصمة الأفغانية كابل في أيدي القوات الأمريكية، ظهرت صورا لقيادة طالبان داخل القصر الرئاسي في المدينة.

التمعن في الصورتين، يمنحنا الكثير من الدروس التي أفرزتها مواجهة الاحتلال الأمريكي خلال عقدين من الزمن.

وبالمقارنة بين الاحتلال الأمريكي لكابل، والاحتلال الإسرائيلي للقدس والدروس التي يمكن أن يستخلصها الفلسطينيون من التجربة الأفغانية على طريق التحرير يمكن تلخيصها في:

- وفقا لوزارة الدفاع الأمريكية بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان من أكتوبر من 2001 وحتى سبتمبر من 2019) 778 مليار دولار، بالإضافة الى 44 مليار دولار لمشاريع (إعادة الاعمار) وبذلك يصل إجمالي التكلفة، 822 مليار دولار.

فلسطينيا بلغ اجمالي المنح والمساعدات الخارجية الموجهة للسلطة منذ تأسيسها عقب اتفاق أوسلو 35.4 مليار دولار حسب بيانات المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار.

الأرقام السابقة تعني أن تثبيت الاحتلال سواء بالدعم العسكري المباشر لجنوده المقيمين هناك، أو بالضخ المالي للحكومات الخاضعة لإدارة المحتل على الأرض، لن يثبت دعائم مرجوجة جاءت كإفرازات للحرب، ولن تتمكن من الصمود في وجه إرادة الشعوب.

- خلال العشرين عاما الماضية، قٌتل أكثر من 43.074 مدنيا أفغانيا، مقابل 2309 قتيلا من الجيش الأمريكي، و64124 قتيلا في صفوف القوات الأفغانية الموالية لأمريكا.

البيانات السابقة، تشير إلى أن الاحتلال أينما كان يصر على رفع تكلفة مواجهته في إطار إيصال الشعوب إلى مرحلة اليأس من قتاله، وكذلك يستعين في قمع ومواجهة الثوار بسلطات محلية تم تعيينها بإشرافه، وتبقى تحت سيطرته.

أما فلسطينيا فقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين الذين قتلهم الاحتلال منذ النكبة حتى 2019 ما يزيد عن 100 ألف شهيد حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

حجم التضحيات التي تقدمها الشعوب على طريق التحرر مكلفة، لكن الوصول الى الهدف بدحر الاحتلال معقول وحتمي، وكل التجارب التاريخية تدلل على ذلك.

_ عقب الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وحتى استعادتها من قبل طالبان، تم تعيين رئيسين للبلاد من أصحاب الولاء لأمريكا الأول حامد كرزاي، والثاني أشرف غني الذي ظهر فارا قبل سقوط العاصمة من تحت قدميه، ولم تفلح محاولات تثبيته رغم ضخ الأموال الأمريكية لذلك الهدف.

بالمقارنة فهناك تشابه في الأمر بين ما جرى هناك، وبين الواقع الذي نحياه هنا، لكن لحظة الفرار لم تأت بعد.

_ مشهد محاولة هروب مئات الأفغان الذين تعاونوا مع المحتل الأمريكي من مطار كابل في اللحظات الأخيرة، ووقوعهم من علو بعد تشبثهم بالطائرات التي لم تأبه بهم، هو ذات المصير الذي سيلقاه كل من كان أداة في وجه الاحتلال لتحقيق أهدافه، ولن يتوان الاحتلال في التخلص منه بعد انتهاء مهمته.

_ لا يمل المحتل من إعادة ذات التجربة باستخدام جميع أدوات القتل والاعتقال والقمع والتهديد والتهجير، وما معتقلات غونتنامو التي زج فيها المقاتلون الأفغان عنا ببعيد، في محاولة للحفاظ على بقائه حتى الرمق الأخير.

فلسطينيا اعتقلت قوات الاحتلال منذ استكمال احتلال فلسطين عام ١٩٦٧ نحو مليون فلسطيني بسبب مقاومتهم لها، لكن في النهاية ستكسر القيود ويخرج الأسرى، ويدخلون العاصمة المقدسية فاتحين.

- دخول حركة طالبان الى العاصمة كابل بعد عشرين عاما من المقاومة، يعني أن العالم لا يحترم الا الأقوياء الذين يفرضون شروطهم في أروقة التفاوض تحت النار، وما أخذ بالقوة لا يسترد الا بها.

التجربة الأفغانية تدلل على أن زحف الفلسطينيين نحو القدس لم يعد بعيدا بعد أربعة وأربعين عاما على احتلالها، وربما معركة سيف القدس الأخيرة احدى ارهاصات ذلك.

انشر عبر

متعلقات