"صفقة القرن".. دليل الصهيونية للمحرقة الفلسطينية

04 حزيران / فبراير 2020

ترامب و نتنياهو
ترامب و نتنياهو

مر الأيام تترا تسرق منا آمال الثائرين، أسماء انتقلت إلى باريها تحمل معها آلام المقهورين، عام آخر يغيّب المخلصين المدافعين عن حقوق الضعفاء، سنوات عجاف قضاها الثوار السّوريون واليمنيون يلملمون جراح الغدر والخديعة العربية، مصريون وليبيون ناضلوا ردحا من الدهر لنيل القليل مما ذرته الحضارة الإنسانية من قيم ديمقراطية وعدالة اجتماعية، بعدما سئموا ترانيم القومية والصحوات الدينية والحوزات السياسية.

أعادت الانتفاضات العربية حقيقة "استقلالنا السياسي" عن استعمار استيطاني فكك بنية المجتمعات المستمَعرة، كاشفة اللثام عن وهم المشاريع الثورية والدولة الوطنية، لتعيد تقييمها وفق مبدأ "الحق في الثورة" ضد الإمبراطورية الصهيونية وأطرافها المتسلطة على هويتنا وثقافتنا وأرضنا، ومثلما أجج الربيع العربي أقاليم الرفض والثأر ضد من انتهكوا حرمات ومقومات تقدمنا الحضاري، وتمسّك شعوب منطقتنا بسلمية الثورة/الحراك، كان لزاما بناء أسوار ونسج مؤامرات من عملاء محليين ومخبرين دوليين، لتطويق أيّ نزعة تحررية من شأنها أن تخلق وضعا مغايرا يهدد المصالح الإمبريالية الغربية، نتذكر تغريدات المسؤولين العرب وهم يصفون الانتفاضات الشعبية "بربيع عبري" صنع داخل مخابر أمريكية/إسرائيلية لنشر الفوضى الخلاقة، فهل كان الواقع المتأزز بنيران أبناء الوطن الواحد من نتاج "شعوب تخوض البحر بحثا عن حياة تليق بإنسانيتها"؟ أم أنّ البراميل المحلقة وعواصف الردم هي من حملت هدايا متفجرة للسّوريين واليمنيين واللبيين؟ وأشعلت معها فتيل هجرة جماعية نحو عالم تأبط ديمقراطية؟

لقد تخاذل العالم الغربي في نصرة السّوريين واللبيين واليمنيين، الذين طوتهم صفقات الثقافة العابرة للحدود والحسابات الإثنية والأرصدة المالية، المنتجة لحروب متنوعة تستحوذ بواسطتها على ما تبقى من الكعكة البتروعربية

 

لم تكن الهجرة غير النظامية تهديدا سياسيا وأمنيا لدول أوروبا فحسب، خاصة بعدما انحرفت مسارات التغيير السّلمي إلى عسكرة الانتفاضات ورفض الوساطات الإصلاحية، بل عملت أعداد المهجّرين والنّازحين بطريقة غير مباشرة على رسم ملامح خريطة ديموغرافية جديدة لأوروبا، استقبلت إرهاصاتها الجماعات اليمينية المتطرفة بقوانين تمنع حق اللجوء الإنساني، ليستعيد العالم مآسي المرحّلين عن ديارهم زمن النكبة الفلسطينية عام١٩٤٨، وكيف أنّ النظام الدولي ساهم في شرعنة "خطيئة تاريخية" بنثر رماد المحرقة فوق مذابح فلسطينية لإقامة أسطورة الهيكل.

قوارب موت وقوافل بشرية حملت كنوز المشرق والمغرب إلى عالم تتضاءل به القيم الإنسانية، أوروبا القارة التي أَجْلت آلاف اليهود إلى فلسطين، تواجه موجة نزوح بشري تقتفي آثار القيم الإنسانية والصورة الحضارية الغربية، تاركين خلفهم شرقا مليء بعاهات استعمارية وأنظمة كليانية، عساهم يجدون ملاذات اجتماعية آمنة، فالربيع العربي امتحن كل دعوة مناهضة للاستعمار ومشاريع التحرر التاريخية، التي ادعت وقوفها في وجه نظام دولي رهن مقومات الإنسانية للسّلوكات العنصرية الصّهيونية؛ تعتبر سوريا والعراق الأكثر تضررا من الجماعات الإيرانية المتطرفة والتدخل الإمبريالي الروسي/الأمريكي، ما سمح بنزوح ملايين المدنيين نحو الشمال السّوري، وفي حادثة (مستفزة) زار رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بن يامين نتنياهو جرحى (سوريين) في مشفى ميداني، كمبادرة إنسانية منه لتصديرها للعالم الغربي، عبر قنوات لم تحركها أعداد القتلى والمهجرين، بسبب تنازل المجتمع الدولي عن إلتزاماته وأعرافه الإنسانية المناهضة للهيمنة الاستعمارية الصهيونية.

لقد تخاذل العالم الغربي في نصرة السّوريين واللبيين واليمنيين، الذين طوتهم صفقات الثقافة العابرة للحدود والحسابات الإثنية والأرصدة المالية، المنتجة لحروب متنوعة تستحوذ بواسطتها على ما تبقى من الكعكة البتروعربية، حروب عسكرية ورقمية، تتبعها هجمات بيولوجية جعلت التواجد البشري على المحك، ومع الإخفاقات المتوالية لمراكز الرصد ومخابر التوطين والشركات الاستخباراتية لبلورة حقوق حضارية لما تبقى من استعمار صهيوني، تقدم إسرائيل "الدولة" نفسها على طبق السّلام العالمي للمجموعة الدولية كحليف إستراتيجي ضد التوسّع الإيراني والجماعات المناوئة.

فلسطين التي حشر بها يهود مهجّرين من أوروبا والعالم، تبدوا شاحبة بسبب الخدعة التاريخية منذ أن غررت الصهيونية باليهود ودعتهم للهجرة إلى أرض الميعاد، تاريخ أوروبا الممزوج بالخديعة والنكران كأفضلية عرقية عنصرية، أسهم في خداع الملايين من اليهود عبر وكالة صهيونية، منحت المجتمعات اليهودية "سامية" استعمارية لا حقوقا مواطناتية، في ثاني "إبادة هوياتية" للجماعة العبرية، بعد تخلص الأوروبيون من آلاف اليهود قتلا وحرقا وأرقاما في مخابر التجارب البيولوجية، وما زال جناة المحرقة يعكفون مصلّين على قوانين تجرّم نبش تاريخ الإجلاء القسري لليهود إلى فلسطين وخلق بؤر اجتماعية غير متكافئة، كواقع يعززه خذلان السّلوك الثقافي العبري.

ننظر اليوم إلى دعوة رئيس وزراء الاحتلال وهو يدعوا العالم إلى الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية عاصمتها القدس، مع مضاربة عربية على ما تبقى من تركة المسألة الفلسطينية، ومثلما تهاوى اللاوطنيون من ساسة ومثقفين في دوامة رفض تطلعات أمتنا العربية، بعد حركة التصحيح للانتفاضات المتتالية، التي لربما كانت أهم فصول التغيير والانعتاق عن طغم سلبتنا الحياة الاجتماعية والثقافية، لصالح استعمارية تركت ندوبا جغرافية، ما لبثت أن عادت عبر قنوات ووسائل دبلوماسية تشرعن تدخلها وتحفظ مصالحها التوسعية، يقف "قرامطة كوشنر" الذين لا بيعة لهم إلا لاتفاقيات سايس بيكو ومنتجعات كام دايفيد وأوهام أوسلو، كطغم نهبت الحكم لتقتات من آمال الاستقلال وحلم البناء الوطني.

ما زالت طبول الحرب تقرع في الشام، وعين دجلة تدمي للشباب العراقي المناهض للتوسع الإيراني والاحتلال الأمريكي، وأبناء اليمن يكابدون لرفع ظلم الحوثي، وسط تجاذبات بربرية بين جيران جمعتهم الجغرافيا وفرقتهم الأيديولوجيا، لن ننسى آلاف القتلى والضحايا الليبيين، نتيجة تدخلات "مراكز تجارية" لتحقيق نبوءة الإمبراطورية، وتكريس صراع حضاري بمكعبات بترولية على جماجم البروليتارية، ستبقى العدالة والحرية والإنسانية آخر ما يتفاوض عليه المشاركون في صفقات التهجير والتبادلات العرقية، وسيزول العالم الموشوم بالقرصنة التاريخية والإبادة الثقافية للفلسطينيين، إننا نقف محاصرين بسبب هذا الأخطبوط الإمبريالي الصهيوني، وعاجزين إزاء ما يقترفه من جرائم ضد الإنسانية.

حلم "الدولة اليهودية" وإن بدأت تكتمل معالمه، إلا أنه يظل رهين "البنية الاجتماعية الإسرائيلية" في وقت تتراجع الكثافة الديمغرافية للإسرائيليين وزحف للثقافات الهجينة المناهضة لليهود الأوروبيين

 

لم تكن تلك الجرائم لتبرر لولا أنّ اللحظة المواتية لتصفية كل دعوة تحريرية من شأنها أن تعلي قيمة الإنسان العربي، وجدت مساندة من "أنبياء الشيطان" الموبوئين بإخلاصهم للصهيونية وكرههم للموروث الإنساني والإسلامي، القضية الفلسطينية لم تكن بمنأى عن المضاربات السياسية والصفقات الإمبريالية، من أجل تقنين "الوضع القائم" والعمل على فرض مزيد من التحديات الاستيطانية وتسريع وثيرة التطبيع الاقتصادي والاعتراف السياسي، فإسرائيل مع ما ينتجه المجتمع اليهودي من تماثلات أوربية وأفريقية وآسيوية تجلت آمارتها بانتفاضة اليهود الشرقيين والفلاشا، بمثابة قنبلة هوياتية انفلت عقدها عن الإمبراطورية الصهيونية السّاعية لتكريس هوية الدولة اليهودية المقامة على تاريخ "شعب فلسطيني"، عانى من مجازر مجموعات شتيرن والأرغون والهاغانا المؤسسة لجيش الاحتلال، لم تندمل جراح دير ياسين وحيفا ومذبحة القدس وغزة كي يتبعها النظام الدولي بمجموعة رباعية لوأد الانتفاضة الفلسطينية الثانية ٢٠٠٢، بحثّ الفلسطينيين على التنسيق الأمني مع الإسرائيليين، والتغاضي عن سرطنة الأراضي المحتلة بالإرهابيين والتنازل عن حق العودة وخذلان المقدسات المسيحية والإسلامية المنتهكة، لخصتها في توصيات ثلاث هي: نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل وتعزيز الاتفاقات السّابقة.

استبدلت السّلطة الفلسطينية البندقية وغصن الزيتون بالإعانات والحزمات المالية، تحت ضغط أمريكي تزامن مع خذلان عربي وإسلامي يترامى في لعبة الإمبراطورية، وآخرون أكلتهم دسائس بارونات التطبيع الصهيوني، وعرّابي حل الدولتين ومبادرات السّلام الورقية، كرِدّة سياسية وانتكاسة ثورية إزاء الانتهاكات والجرائم المقننة من مؤسسات دولية مؤدلجة بنزعة صهيونية، تستعدي خصوصيتنا وثقافتنا وتاريخنا، لهو أمر ينبئ بانتفاضة فلسطينية ثالثة تفوح منها روح المقاومة والتحرير.


الفلسطينيون يرفضون الحلول الدولية، كما أنّ السّلطة الفلسطينية تزيد من تعقيدات عملية التفاوض بفرض شروط أولية، وحماس تؤزم وضع الغزاويين وتسلبهم حق الحياة، في دولة فلسطينية "قابلة للحياة" منزوعة السّلاح والسّيادة، كسردية دعائية للاحتلال الصهيوني، تحاول إسرائيل من خلالها فرض "واقع قانوني" يبرر ردودها الهمجية الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني؛ تساند الإدارة الأمريكية مشروع "صفقة القرن" لجاريد كوشنر، كحل نهائي للقضية الفلسطينية، فَطَرته باعتراف رسمي بالقدس كعاصمة للدولة اليهودية ونقل سفارتها إليها، أما السّلطة الفلسطينية فتقف أمام خيارين (لإنهاء) الاحتلال الإسرائيلي، فإما أن تبقى رهينة المفاوضات واتفاقيات التهدئة مع أحفاد عصابات الهاغانا الإرهابية، أو تقاوم مرتزقة روضتهم الإمبراطورية كأقوى جيش للتصفية والاغتيال والنهب، منظومة أمنية وترسانة عسكرية ترعبها قذائف الهاون وأنفاق المقاومة البدائية.

تعي المقاومة الفلسطينية أنّ عدو الشعب الفلسطيني اليوم ليس إسرائيل فحسب، فالأنظمة العربية وجامعتها المتداعية مريضة بمتلازمة ليبارتيفوبيا والإسلاموفوبيا، أما حلم "الدولة اليهودية" وإن بدأت تكتمل معالمه، إلا أنه يظل رهين "البنية الاجتماعية الإسرائيلية" في وقت تتراجع الكثافة الديمغرافية للإسرائيليين وزحف للثقافات الهجينة المناهضة لليهود الأوروبيين، فارق يحاول ساسة الاحتلال التقليص منه عبر تضييق التعاملات الاجتماعية وحروب فوسفورية، وممارسات عنصرية تهدم "صورة الصهيونية" لإسرائيل كدولة ديمقراطية.


تبقى القضية الفلسطينية الامتحان الأخلاقي لكل دعوة تحررية، تزعم نصرتها للقضايا الإنسانية، ومثلما انحرفت مسارات التغيير بالمنطقة بسبب التدخلات العربية/الغربية، على الفلسطينيين أن يستعيدوا قضيتهم باتفاق ومصالحة وطنية تجرّم أشكال الاعتراف بإسرائيل، لتبدأ عملية التحرير الحقيقي.

 

انشر عبر

متعلقات