سنة ثانية تعليم.. كيف نتشكّل فيتشكّل الأطفال

08 نيسان / أبريل 2019

698
698

بقلم / ضحى حسام

لا شكّ أن حديثي عن طلابي يُمكن أن يكون قد مرّ به سابقون مثلي وإن اختلفت المواقف وأثرها، فهو يشملُ كلّ مربٍّ، أبًا كان أم أُمًا أم معلمًا. كثُر في الآونة الأخيرة بل عمّ أن نلجأ إلى غير المُعتاد في شتّى جوانب حيَواتنا، ولأنّ التعليم هو أكثر المهن تقليديّة، والتّربية هي أولى المُهمّات الإنسانية الممنوحة المُتجددة في الثانية ما يعلمه الله من المرّات، كان لِزامًا أن أتحدّث بها، من منطلق امرئٍ يقدّس التجربة الفرديّة وأثرها على صاحبها، والانتقائيّة، بعيدًا عن النسخ..

لا شكّ أنّ كلًا منا يملك كلمة ما قيلت له في طفولته حتى صِباه، في سنواته الدّراسية، أو بين جدران منزله، فهزّت أركانه هزًا، إمّا سلبًا أو إيجابًا. أذكر حين كنتُ في الصف التاسع، أخبرتني إحدى مُعلّماتي اللغة العربية، أنّها لا تضعُ العلامة الكاملة لكتابة التّعبير بتاتًا، لكنّها ستضعها من أجلي. لستُ أذكر أصلًا ما كان محتوى الموضوع، ولا حتى ما عُنوِنَ به، أذكر فقط تلك الكلمات ونظرة المُعلّمة المُشعّة، وابتسامةً تُداريها لئلا يظهر حماسُها الشّديد أمام بقيّة الطالبات.. اليوم، في مهنتي ذاتها، للغة ذاتها، أكرر أحيانًا هذه الجُملة أمام من يستحقها، وكأنّني أُنعِشُ شيئًا بُنيَ فيَّ وصنع عوالمًا أعيشُها الآن، مستلذّة مستمتعة. فما زلتُ أؤمن أنّ كل كلمة من أبٍ أو مربٍّ تترك صدىً واسعًا رُبما لا يضاهيه صدى أو أثر. في كلّ مرةٍ أسعى لغرسِ شيءٍ ما في طلابي، أحبّ أن يفهموا "لماذا"، حتى إن كان على مستوى فاعلٍ ومفعول، أن لماذا سُميَ هكذا..

أذكر أنني في إحدى الحصص الدراسية سألتُ طلابي أن ما فائدة التّعليم إن كنتُ سأنساه في المستقبل؟ وأنني لا أذكر أي شيء من الحقبة الزّمنية هذه التي كنتُ مكانكم فيها، وذُهلت بعدها بإجاباتٍ أثرَتني وربما أدركتُها أنا بعد سنيني المدرسيّة جميعها، من انعكاسٍ للتعليم على السلوك، وتهيئتنا للمستقبل كمهاراتٍ دماغيّة أكثر من كوْنها جزئياتٍ تُحفظ ولا تُنسى. استحضرتُ حينها بعض ما أسمعه من المربيين لأطفالهم أو طلّابهم، مثل: "إنتَ شو بفهمك؟ بس تكبر بتعرف!" متناسيين القدرة الهائلة للطفل بالفهم والتّشكيل والرّبط، متسلّحين بقمع قدرته على فهم نفسه وما يُحيط به من أسبابٍ ومسببات. يُولد المولود على الفطرة، إنسانيّته الصّافية النّقية، حبّه وشغفه للجديد والمعرفة، السّؤال فالإجابة، عفويّة شعوره والتّعبير عنه، بكائه فإدراكِه نفسه بتعدد حالاتها فقبوله بذاته، غير أننا نأبى..

كُلّما عاشرتُهم فهمتُ الأساس الذي قدِموا منه فلا أعتب على كينونتِهم كـ "نِتاج"، وتأكّد لي هذا بمقابلة الأب والأم.. أُطرِقُ أحيانًا مُفكّرةً كيف نصنعُ من أبنائنا مسوخًا "حافظة مش فاهمة"! "المهم العلامة الكاملة، أن تتفوق على زملائك فتُحرز الأول، أن لا يسبقك فلان، كيف سأقابل أمّه بعدها؟ صدّقني إن قلّت علامتك عن كذا، فحسابُك عسير!" كلّ هذا بطريقة أو بأخرى بدأ يشكّل إنسانًا مقهورًا منذ طفولته، يخشى عواقب وخيمة لأرقامٍ نخطُّها نحن-المعلمين- الكائنات الشريرة، على ورقة لن يُعرَف مصيرها في اليوم القادم. يرجع هذا الطفل بيته مرتعبًا متلكئًا كارهًا لساعة عودته، مهزوزًا من الدّاخل ما إن رأى من هم أفضل منه، وأنا أقول في نفسي: "الله يجعلها أكبر المصايب!" أمام ما سيواجههم في حيواتهم مستقبلًا.

ما يثير استغرابي بعد كلّ هذا، أن بعض الأمهات يأتين وبكلّ ثقة، سائلاتٍ متعجباتٍ عن انعدام الشّخصية القياديّة في أبنائهنّ وبناتهنّ. ماذا عساني أُجيب وقتها؟ ناهيك عن كُفري بوحدانيّة هذا النّمط من الشّخصيات، وأنّه دومًا المأمول المُرجى في الأطفال والرّاشدين، فإذا كان كلّ كائنٍ على هذا الكوكب، طفلًا كان أم شابًا، شخصيةً قياديةً، فمن سيقود كلّ هؤلاء؟ من الذي تبقّى ليقودوا؟ كلّ قياديّ من الممكن أن يكون مؤثرًا، لكن ليس كلّ مؤثرٍ يجب بالضرورة أن يكون قائدًا.

أنا آسفة أيّتها أمهات، قد بدأت أزرع في أبنائكنّ أن الأهم أن يكون الإنسان "قائدَ نفسه" بدايةً، يفهمها ويحبّها، يعرف ما يرغب ويكره وما يريد، يُدرك مشاعره وأفكاره ويضبطها بالاتجاه الصحيح، ثمّ له بعدها أن يختار قيادة غيره أم لا، أو أنّه بطبيعة الحال، بكوْنه على سجيّته وحقيقته هذه، بكونه قائدًا لنفسه - لا بدّ أن الأثر المرجوّ من "القيادة" سيَبين. في سنة أولى تعليم.. كتبتُ عن ما يصنع طلابي بي من صفاء الرّوح مع عِشرة الطّفولة وبراءتها، لكن في هذه السنة، بدأتُ أعي كمّ الأخطاء والأخطار التي نملأ سجلات أعمار هذه الكائنات بها، بكلمة، أو ملمَح وجهٍ عُبوسًا أم ابتسامًا، باحتضانٍ وإنصات، بلحظات من العمرِ تمضي دون أن نجعلها زاخرةً بالجمال، فتمتلئ وحشةً وغُربة ولو بعد حين..

انشر عبر

متعلقات